Ads 468x60px

2009/04/10

إعقلها وتوكل



منذ ثلاثة سنوات تقريبا وأنا أبحث...

أبحث في كتب ما يسمى بالتنظيم الشخصي (Personal Management) والتطوير الشخصي (Personal Development)

كنت أبحث عن الطريقة المثلى لتنظيم الوقت أو تنظيم المهام

بالنسبة لي، كنت أرى أنني غير منظم بشكل كافي
كنت أسأل نفسي كثيرا، ماذا أفعل في هذه اللحظة؟ ولماذا هذا بالذات؟ ما هي كل خياراتي الأخرى؟
ودخلت في مسألة تحديد الرؤية والمهمة ثم تفصيلها في مشاريع ومهام دقيقة وثم تفصيل ذلك في الأوقات والأماكن المناسبة

واستفدت كثيرا من كتاب ديفيد آلين، إنجاز الأمور (Getting Things Done, by David Allen)
ولكن رغم كل استفادتي منه، إلا ان ظمأي لم يرتوي بعد!

 ثم لجأت إلى كتب أخرى.. ولم أرتوي!

ثم لجأت إلى الانترنت.. وغصت في بحاره ومحيطاته.. وأخذت من اللآليء والمرجان... ولم أرتوي!

ثم لجأت إلى سؤال مشرفي في برنامج الدكتوراة وسؤال دكتور آخر... وأعطوني حلولا ممتازة... ولكن.. لم أرتوي!

وكل هذا التعب سببه أنني لم أجد النظام الذي يجيبني على كل الأسئلة:
ما هي الرؤية المثالية لحياتي؟ وكيف احققها على الواقع؟
كيف أقسم أوقاتي؟ ماذا أفعل كل سبت الساعة 12 ونصف؟
كيف أقسم وقتي بين أدوار حياتي؟ فأنا أب وزوج وابن واخ وصديق وطالب دكتوراة ومدون و..و.. الخ!

وحتى عندما تكون أمامي مهمة واحدة ثابتة وعمل واضح فإن عقلي يستمر في الضياع!
فالأعمال الأخرى تصرخ في وجهي!
وهذا العمل الواحد - عند تحليلي له - ينقسم إلى أجزاء ويحتاج إلى معلومات لا نهائية!
ويضع عقلى هدفا غير واقعي لهذا العمل بناءا على هذه المعلومات اللانهائية!

وأنا في خضم كل هذا، اشتريت الكتاب الجديد لديفيد آلين "جعلها كلها تعمل"  (Making it All Work, By David Allen)
وفي الأقسام الأولى من الكتاب بدأ ديفيد بالأمور النظرية وشرح الفائدة من تنظيم الوقت و.. و..
ثم فوجئت به يكتب: وهناك مثل عربي يقول..... وكتبها بطريقته..

ووالله ثم والله صدمني كلامه بشكل لا استطيع وصفه!
ومر أمامي شريط الزمن خاصة في الثلاث سنوات التي قضيتها في البحث
فقد كنت كمن يبحث عن كنز... والكنز بين يديه

أتدرون ما المثل العربي الذي أتى به هذا الكاتب؟ هو ليس بمثل عربي.. بل هو حديث إسلامي

وهو الحديث المشهور عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: "إعقلها وتوكل"

لقد أجابني الله وسط كلمات كاتب مسيحي! وأجابني بأمر كنت أعرفه، ولكنني كنت كمن سمعه لأول مرة!

لقد كنت أبحث كالمجنون عن سراب! ولذلك لم أجده رغم تعمقي في الصحراء!
لقد استدرجني الشيطان أن اظن أنه بإمكاني أن احيط بكل شيء علما!
استدرجني ان اتوقع انني كإنسان من الممكن أن احدد بالضبط ما احتاجه الآن وما سأحتاجه بالضبط في كل ساعة متبقية من عمري... وان كل خياراتي هذه من الممكن ان احددها الآن ثم امشي في هذا الطريق المحدد بدقة

أجننت يا حمد؟ كيف تحيط بكل شيء علما؟ من أنت؟
وكيف تتوقع أن تعرف الغيب؟ ماذا عن المفاجأت؟ ماذا عن التغيرات في الحياة؟ ماذا عن طاقتك وقدراتك المحدودة؟

الأمر أبسط من ذلك
بكثير .. الأمر وسط بين طرفي نقيض
وهو أن تقوم بكل ما تستطيع القيام به (وفق علمك وقدرتك المحدودة) ثم تترك الباقي على رب العالمين

بمعنى آخر.. يمكنني قراءة كل ما لذ وطاب من هذا الكتب والاستفادة منها
ولكن ليس إلى درجة تخيل انها ستحل كل شيء أو ان الخير سيأتي منها بنفسها
الخير كله من الله وليس من الكتب.. وهذه الكتب ليست إلا وسائل
نتعلمها ونطبق ما نستطيع، وأما الأمور الأخرى اللا نهائية فنوكل ربنا سبحانه بها

أنا لا أدعو إلى التواكل.. وهو النوم والدعاء بأن ينزل الله الذهب من السماء!
وإنما حق التوكل.. وهو أن يقوم الإنسان بما يستطيع وفق قدراته اليوم ووفق معلوماته المحدودة وطاقته البسيطة ثم يتوكل على الله سبحانه وتعالى في النتائج

وصدقوني، والكلام من مجرب، لن تغني عنك كتب الدنيا ومعلوماتها من الله شيئا!

فإن أردت الحفاظ على ناقتك.. فإربطها بالحبل البسيط الذي عندك بإحكام
ولا تفكر كثيرا فيمن حولك من قطاع الطرق.. لا تفكر في قوة الناقة.. ولا تفكر في المطر والعواصف..
كل ما عليك وأنت لا تملك إلا الحبل، أن تربط الناقة به بإحكام، ثم اترك الباقي على رب العالمين
فإن فعلت ذلك وسُرقت، فاعلم ان ذلك خير لك! لأن الله أعلم بالغيب! فلماذا تقلق؟

أو كما اختزل رسول الله صلى الله عليه وسلم كل هذا في كلمتين (وهو من أوتي جوامع الكلم)

"إعقلها وتوكل"

(مقالات ذات صلة: