المعجزة الخالدة

أرسل الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة الخاتمة منه سبحانه إلى الناس كافة، إلى من يعيش داخل الجزيرة وخارجها، وإلى من عاصر النبي (صلى الله عليه وسلم) ومن يأتي بعده إلى يوم الدين. رسالة، بعكس كل سابقاتها، تخطت حاجزي المكان والزمان.


وقد اقتضت سنة الله أن يدعم رسالات رسله بمعجزات تثبتهم على الحق وتكون حجة على من أرسلوا إليهم أن دعوتهم صادقة لا شائبة فيها. وكانت المعجزات عامة في الجوانب التي برع فيها من أرسل إليهم الرسول حتى يعلموا يقينا أنها من خالق السماوات والأرض.

ولإن محمدا (صلى الله عليه وسلم) رسول الله الخاتم إلى الناس أجمعين، لزم أن تكون معجزته قائمة قوية ثابتة فوق حدود المكان والزمان، بجانب أن تبقى كما أنزلت بدون تغيير على مر العصور "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" (الحجر 9)

والناظر - بصدق وجدية - إلى القرآن ليعجب كل العجب من حسنه وكماله. والأعجب من ذلك أن القرآن الكريم يستوعب ويبهر الناظر إليه مهما كانت الزاوية التي ينظر منها!

فالعرب الأوائل الذين برعوا في اللغة، بهروا بالقرآن الذي كان أكمل وأجود وأنظم وأعمق من أي كلام قالوه أو سمعوه، بل وكان له نظمه الخاص فلم يكن شعرا أو نثرا أو غيره مما عرف، وإنما كان.. قرآن!
ويعلم أي متمرس على الكتابة اليوم أنه من المستحيل على أي إنسان أن يكتب كتابا كاملا لا نقص فيه ولا عيب مهما راجعه وحسنه. فمن أين يأتي كمال القرآن الكريم، إن لم يكن من الخالق القادر المهيمن؟

والذي يعشق القصص له في القرآن مكان. "نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين" (يوسف 3)
فالقصة الكاملة لها أسس وأركان وشروط وجوانب بلاغية وجمالية. فكانت قصص القرآن بحق "أحسن القصص"

ونحن في عصر العلم والمعلومات، لنا في القرآن مكان. فقد ذكر الله سبحانه أسرار علمية فريدة منذ أكثر من 14 قرنا، ويثبت العلم الحديث صدق القرآن في كل حين، بل ويسلم العلماء الصادقون على إثره ".. إنما يخشى الله من عباده العلماء.." (فاطر 28)
فكيف ببشر أن يعلم هذه الحقائق في ذلك الزمان؟ أولا يدل هذا على أن القرآن من الله؟

ولأن القرآن معجزة الرسالة الخاتمة لكل زمان ومكان، لزم أن يبقى مشعا بالمعجزات إلى أن تقوم الساعة. فنحن قد اكتشفنا بعض ما في القرآن من أسرار عجز عنها السابقون، ويسيأتي بعدنا من يكتشف المزيد من الأسرار، وستبقى مع ذلك أسرار لا يكشفها لنا إلا العزيز الجبار.

والعجب العجاب أن القرآن الكريم يجمع من الجوانب الكمالية ما لا يستوعبه عقل. فهو كامل في اللغة، وكامل في التاريخ، وكامل في العلم، وكامل في التربية، بل وكامل في بنائه الرياضي والرقمي!
هل يمكن لبشر أن يجمع كل هذا في كتاب واحد؟!

بل إن الله سبحانه تحدى كل البشر، ومعهم كل الجن، بأن يأتوا بمثل هذا القرآن وأعلمهم بأن لا قدرة لهم على ذلك! "قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا" (الإسراء 88)

وهذا التحدي قائم إلى أن تقوم الساعة، ولن يقدر عليه أحد أبدا

فهذا أخي المسلم، وصديقي الغير مسلم، القرآن الكريم أمامك. خذ أي نسخة شئت من أي بلد شئت وفي أي زمان شئت، فكله واحد. ثم ابحث في نفسك عن مواطن قوتك وبراعتك. وبعد أن تحدد ذلك، غص في القرآن بصدق وإخلاص وجدية وأمانة وتفكر في كل آية تجدها تتعلق بزاويتك.

فوالله ثم والله ثم والله - مهما مضى عليك من الزمان - ستجد ما يبهرك ويصعقك ويؤكد لك انت بشخصك وروحك أن هذا كلام الله خالق السماوات والأرض ورب العالمين ومالك يوم الدين.

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.