حافظ

وجدت عند استيقاظي صباحا أربع مكالمات لم يتم الرد عليها، وكانت من أخ عزيز من بلدي عمان

وكانت في عمق الليل، فقلت ربما لم يعلم أخي فارق التوقيت الكبير بين عمان وأمريكا

وبعد دقائق اتصل أخي مرة أخرى فرحبت به ثم قال أن معه خبرا غير سار!
فقلت له خيرا إن شاء الله، فقال لي "حافظ... توفى" !

نزل الخبر كالصاعقة.. ولكني لم استوعبه، لم استوعبه خلال تلك المكالمة
"إنا لله وإنا إليه راجعون" خرجت من قلبي لفمي، ولكن... ولكني لم أصدق!
"أمتأكد أنت؟" أجاب، "نعم نعم لا مزاح في مثل هذه الأمور، توفي رحمه الله في حادث سير ولقد دفناه اليوم ووقفت عند قبره غير مصدق!"
تحدثنا قليلا وأنا أكرر "إنا لله وإنا إليه راجعون"، ثم شكرت أخي وأنهينا المكالمة.

لم أستطع إخبار زوجتي بينما هي منهمكة تجهز إفطاري
وكنت استعد للذهاب للجامعة، فالباص سيمر بعد دقائق قليلة

ثم انطلقت لموقف الباص وبدأت أستوعب....

حافظ.. رب أخ لك لم تلده أمك
رباه... عيناي تدمعان..

وأنا في موقف الباصات مر شريط الزمن...
أتذكر أيام أن كنا في الثانوية، حافظ المرح... حافظ الذي لا تفارق الإبتسامة وجهه
واتذكر يوم حدثني عن الحادث الخطير الذي كاد أن يودي بحياته هو وأخوه، سبحان الله..

حافظ الناضج الواعي.. كان وجوده هو وأخي الذي اتصل وآخر ثالث بمثابة الواحة لي في المدرسة..
حصص، نقاشات، ضحك.. نتائج الثانوية.. ومع نتائجها مفترق الطريق، كل واحد منا في اتجاه..

ولكن بعكس الباقي، استمرت صداقتنا واخوتنا قوية

تزوجنا الواحد بعد الآخر، واذكر يوم زواج آخرنا نظرنا لبعضنا وقلنا، "اكتملت، تزوجنا كلنا والحمدلله"
التقينا في السنين التالية في بضع مرات، بمواعيد وبصدف. تبادلنا الرسائل والمكالمات، رغم مشاغل الدنيا

رزقنا بأطفال.. وحافظ له بنت صغيرة..
اللهم اعطف بابنته واجعلها أبية مؤمنة مطيعة لربها بارة بوالدتها داعية لوالدها نافعة للمسلمين
الله وثبت زوجته وأهله والهمهم الصبر والسكينة

شاء الله أن ألتقي به في آخر أيامي في عمان قبل السفر إلى أمريكا. وأين؟ في أكبر مجمع تجاري في عمان ، في محل الالكترونيات.
سبحان الله أكانت صدفة؟ لا، لقد قدرها ربي تقديرا..
تكلمنا.. وكان نقاشا أخويا رائعا.. لقد حصل على وظيفة جديدة أفضل، وكانت بمثابة صفحة جديدة ومستقبل واعد له. سعدت كثيرا بذلك وقلت له أنه يستحق ذلك وقد أثابه الله على صبره.
علم أني مسافر للدكتوراة فقال لي وعيناه تلمعان بصدق "أنا فخور بك يا حمد"

آه.. الآن استوعبت...

ثم..
ثم اتفقنا على العشاء لوداعي. اعتذر أخ والتقينا نحن الثلاثة
ذكريات.. ابتسامات.. دروس وعبر في الحياة
وكنا عادة نقتسم قيمة الوجبة بيننا
ولكن هذه المرة، أبى حافظ إلا أن يدفع! وأصر إصرارا أشد من إصرار العمانيين! فسلمنا له ذلك على أن نتداول الدفع في المرات القادمة...

يا الله.. لن تكون هناك مرات قادمة...
".. وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت، إن الله عليم خبير" (لقمان، 34)
ثم تعانقنا عناق الوداع.. وسبحان الله لم يكن حافظ من يودعني كما ظننا، بل كنت أنا من أودعه..

رحمك الله أخي حافظ رحمة واسعة وغفر لك وأسكنك فسيح جناته
اللهم اجعلنا من السبعة الذين تظلهم يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظلك
اللهم اجمعنا في الجنة يا رحمن يا كريم

رباه رباه.. يقبع أخي الآن تحت التراب..
يتكلم عنه اناس ويكتب عنه اناس، وقد ينسى غدا ولا يبقى إلا عمله...
اللهم ثبته في السؤال واجعل قبره روضة من رياض الجنة..

توفي أخي الذي يتساوى معي في العمر..
اصح من غفلتك يا حمد، فإن كان الله أمات اليوم أحد أعمدتكم الأربعة، فما يدريك من التالي؟ ما يدريك متى التالي؟

الموت لا يفرق بين شاب وشيخ..
الموت لا يفرق بين أب وأعزب..
الموت لا يفرق بين مسلم وكافر..
"كل نفس ذائقة الموت .." (آل عمران 185 و الأنبياء 35 و العنكبوت 57)

أين حافظ؟ أين محمد؟ أين سيف؟
أين عمك؟ أين جدتك؟
أين بنت خالتك الصغيرة؟

أتظنك في الدنيا لتبقى؟
إلى متى التأجيل؟ إلى متى التقاعس؟

أستغفرك ربي وأتوب إليك
اللهم لا تجعلنا من الغافلين
اللهم لا تجعل قبورنا موحشة مظلمة
اللهم لا تجعلنا يوم القيامة من النادمين

اللهم أعنا دائما وأبدا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك
اللهم اهدنا الصراط المستقيم وثبتنا عليه
اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أدنى من ذلك ولا أكثر

اللهم ارحم أخي حافظ، وارحم موتانا وموتى المسلمين
اللهم أحسن خاتمتنا يا رب العالمين

وصلي اللهم وسلم وبارك على الحبيب المصطفى محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه
(للذكرى، أنشودة فرشي التراب)