على مشارف الفصل الدراسي

يبدأ الفصل الدراسي بعد يومين اثنين.

وحال أغلب طلبة الجامعة، كما يبدو لي، بين نقيضين اثنين.

أولهما، الطالب الجاد الذي قد حدد أهدافه وحاسب نفسه بعد نتائج الفصل السابق، وقد عقد العزم على استثمار نقاط قوته ومعالجة نقاط ضعفه.

وثانيهما، الطالب الغافل.. فهو لم يشبع من الإجازة ولا يطيق التفكير في الدخول من بوابة الجامعة، وربما قد حمّل اساتذته والجوّ (والأصحاب، وريال مدريد، و.. و..) مسؤولية بعض نتائجة المتدنية في الفصل السابق. وأظنني اسمعه يقول عن الدراسة "شرّ لا بدّ منه، فأنا بحاجة إلى الشهادة"

قل لي، أخي الطالب، إلى أي النقيضين تنتمي؟ قلي لي (أو صارح نفسك)، كيف هو حالك مع الدراسة؟

لماذا دخلت الجامعة؟ ألنفسك؟ أم للناس؟ أم لمن؟

ما هي أولوياتك؟ تحصيل العلم؟ أم إنهاء متطلبات الشهادة؟ أم... الكرة.. والإنستاجرام و.. و..

لا أقول لك أن تنسى العالم، أو أن لا ترفه عن نفسك.

ولكن أسألك عن أولوياتك.. وأسألك عن أهدافك وطموحاتك..

فكّر قبل أن تجيب.. ففي اجابتك ملامح طريق.. ملامح طريق مستقبلك..

أنت والدراسة

هاقد انتهى الفصل الدراسي.. أو كاد.. وخفّت قليلا زحمة الطلبة والكتب والبحوث الدراسية و.. و..


ومرّت فترة الامتحانات.. أو يمرّ بها البعض الآن.. فتصبب العرق.. وسهرت العين.. وتحرّكت الأقلام والكتب والحواسيب.. ولهجت الألسن بالدعاء.. وطارت حمائم الأماني والأحلام..


والكل في ترقّب للنتائج.. النتائج التي ستضع بصمتها في النفس والقلب.. النتائج التي قد تحدّد مسار السنين القادمة من الحياة..


وهذا حال طلّاب المدارس.. وكذلك طلّاب الجامعات.. ومعهم طلّاب الدراسات العليا من الماجستير والدكتوراة..


والسؤال الذي نطرحه الآن هو.. لماذا؟ ما الهدف من الدراسة؟ وبشكل خاص، ما أهداف الطلبة من الدراسة الجامعية وما بعدها؟


قد يبدو السؤال غريبا.. وسيقال: بالطبع، الهدف هو العلم ورقيّ الأمم.. وسيقال: الهدف هو التطور الذهني وتنمية القدرات..


ولكن دعنا نقف مع هذا الهدف الظاهري قليلا..


هل الهدف هو العِلم لذاته، أم العِلم للشهادة؟


ولاكتشاف الجواب، علينا أن نسأل.. ماذا إذا عُرض على الطالب أن يقضي 5 سنوات أو أكثر بين فصول الجامعة ومكتبتها؟ ماذا إذا قيل له: إقطف من أي بساتين العِلم شئت.. واستزد من العلوم ما شئت.. ولكن.. لن نعطيك شهادة! وإنما تشهد أنت على نفسك، وتغادر الجامعة حينما تطمئن أنك أخذت كفايتك من العِلم..


هل ستمتليء الجامعات والكليات حينها كما نرى اليوم؟! هل سيتسابق الناس إلى البعثات الخارجية كما نرى تسابقهم اليوم؟! ثم ماذا سيكون موقفهم من الاختبارات ومن المشاريع الدراسية والبحوث؟!


الذي يظهر لنا من هذا التحليل المبسّط، أن هدف الأغلبية - إلا من رحم ربي - هو الحصول على الشهادة، لا العِلم لذاته.. ويمكننا أيضا أن نقول أن الحصول على الشهادة هو الهدف الأول، وربما يكون العِلم لذاته هو الهدف الثاني..


والآن دعنا نقف مع هذا الأمر قليلا..


إذا كان الهدف الأهم هو الحصول على الشهادة.. فما تأثير ذلك على التحصيل العلمي، وعلى الجهد، وعلى طريقة أداء الاختبارات وبناء البحوث والتقارير الدراسية؟


نستطيع أن نستشف بعض المزالق التي يمكن أن يؤدي إليها طريق من همّته الشهادة فقط دون العِلم لذاته.. ولكننا نعود إلى الفكرة الأساسية التي تهمّ كل واحد منّا.. الفكرة التي يجب أن تدور في خلد أي طالب..


حينما تخوض غِمار التحصيل العلمي.. إعلم أنك مقبل على أمانة.. إعلم أن الله قد يسّر لك ما لم ييسره لغيرك.. وأن هناك من يتمنى أن يكون في كرسيّك، ولو ليوم واحد..


إعلم أنه بإمكانك، إن شئت، أن تترقى في مراتب الحكمة.. وأن تغوص في أعماق مكنونات آيات الله في الكون..


إعلم أنه بإمكانك، إن شئت، أن تستكشف أعماق نفسك.. أعماق لم تكن حتى تعلم بوجودها.. أعماق ستزيد من فهمك لنفسك، ولمن حولك، وللدنيا وحقيقتها..


كل هذا بشرط الإخلاص والهدف الواضح.. وكل هذا بشرط التوكل على من بيده مفاتيح العلوم كلها.. الله العليم الخبير..

مقالات أخرى ذات صلة:
تواضع للعلم
جهل الانسان
الامتحانات.. نظرة أخرى


(الصورة أعلاه تصميم حميد بن راشد الحبسي لصالح "تـأمّــلات)

استاذ الجامعة!




تراه يأتي إلى الجامعة وسط النهار أحيانا، ويغادرها بعد سويعات أحيانا..
وقد تتسائل: "لماذا لا يتقيد بفترة العمل كالآخرين؟ لماذا لا يصل في السابعة والنصف ويغادر في الثانية والنصف؟"

وما عمله؟ يدخل إلى قاعة بها مجموعة من الطلبة.. ويتبادل معهم أفكارا وكلاما، ثم يغادر!
وقد تتسائل: "لا يوجد عملٌ أسهل من الإلقاء وتبادل الأفكار" وربما تقول: "ويتكرر نفس الكلام كل فصل دراسي!"

وعلى ماذا يحصل؟ على بعثات تعليمية في أرقى جامعات العالم.. ومشاركات في مؤتمرات عالمية.. وعلى احترام المجتمع.. و.. و..

وهذا لسان حال البعض حيال استاذ الجامعة!
"عمل سهل.. ودوام قصير.. ومقابل مادي ومجتمعي كبير!"

وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة!!

فرسالة استاذ الجامعة كبيرة.. ومهماته ليست بالسهولة التي قد تتبادر إلى الأذهان!

فمهمته الأولى هي البحث العلمي.. وما أدراك ما البحث العلمي!
فبه تتوسع مدارك البشر.. وتتطور الأمم.. وينمو الإنسان بعقله ومعرفته..
بل، وبالبحث العلمي والانفاق عليه يمكننا أن نفهم اسباب تطور وتخلف البلدان على مستوى العالم (انظر هنا ترتيب الدول حسب الانتاج العلمي وحسب الانفاق على البحث والتطوير)

والبحث العلمي ليس كمهمة اعتيادية في مؤسسة حكومية!
بل يحتاج إلى تخطيط، وتحديد للأهداف، وفهم واسع لخلفية الموضوع، واختيار لأنسب اسلوب بحث، وجمع مُجهد للمعلومات، وتحليل دقيق لها، ثم عرض النتائج وفق معايير وطرق معتمدة.. وكل هذا يقع على ظهر استاذ الجامعة في كل بحث يقوم به..

أما المهمة الثانية، والأكثر بروزا، فهي التعليم.. وما أدراك ما التعليم!
ليس التعليم - خاصة الجامعي - مجرد تبادل لأفكار وكلمات.. وليس مجرد تكرار لنفس المحتوى عاما بعد عام..
بل هو أشبه ما يكون بمشروع البناء.. وهل هناك أهم من بناء الإنسان؟

تعليم كل مقرر دراسي يتطلب فهما لموقعه ضمن البرنامج الدراسي، وتحديدا للاهداف التعليمية المستهدفة، وتخطيطا لأساليب التعليم والتقييم المناسبة، ثم وضع جدول زمني حسب تواقيت وظروف وإجازات الفصل الدراسي..

و"المحاضرة الجامعية" هي أكثر من مجرد "محاضرة" بشكلها الإلقاءي..
فهي تحتاج إلى تخطيط وأهداف.. وتركيز شديد اثناء الكلام واثناء الاستماع إلى ملاحظات وأسئلة الطلبة.. وتنظيما دقيقا للحوار والنقاش.. وموازنات كثيرة مراعاة لأهداف المقرر ومستوى فهم الطلبة والأعراف الاجتماعية.. وثم يأتي تقييم أعمال الطلبة، وفيها ما فيها من بذل الجهد الكبير لتقييم عالي وفق معايير رصينة ومقارنات مستمرة للتأكد من العدل بين الطلبة قدر الإمكان.. وهذه أمور تُشغل بال استاذ الجامعة أثناء عمله، بل وتُشغله أثناء الطعام وفي تقلبات النوم وأثناء قيادته السيارة!

أما المهمة الرئيسية الثالثة، فهي خدمة المجتمع.. فاستاذ الجامعة في الصورة، وتدعوه المؤسسات المختلفة والشخصيات المتنوعة لعمل محاضرات وحلقات وورش أعمال ولجان وغيرها.. ولا يخفى ما لهذه المهمات من جهد في تنظيم الوقت والأفكار، وترتيب باقي الأعمال الأكاديمية معها.. ومن لاستاذ الجامعة من معين في هذا إلا نفسه؟

وبالإضافة إلى هذه المهمات الرئيسية الثلاث، تأتي الأعباء الإدارية في الجامعة!
فالاجتماعات وأعمال الإرشاد واللجان والاستمارات والأوراق المتطايرة هنا وهناك تأكل من وقت الاستاذ الجامعي.. وعليه الموازنة دائما بين مسؤولياته الإدارية ومسؤولياته العلمية، حتى لا تسحبه الأعباء الإدارية بعيدا عن صلب عمله..

ونأتي أخيرا إلى مسألة توقيت العمل..
فمهمات استاذ الجامعة الثلاث الرئيسية لا تكتفي بإشغاله أثناء تواجده بالمكتب.. بل هي تطارده في البيت، وأحيانا عند زيارة الأهل وأثناء انتظار انجاز معاملاته الأخرى.. ولا تنحصر فترة عمله بين السابعة والنصف والثانية والنصف، بل هي تمتد إلى المساء والليل وبعد الفجر.. وخذ مثالا على ذلك تقييم أنشطة الطلبة وما يتطلبه من هدوء وتركيز..

باختصار، عمل الاستاذ الجامعي متشعب ومسؤولياته عديدة ويقع حمل تنظيم أوقات وطرق عمله عليه وحده، بشكل يضمن التوازن بين متطلبات البحث العلمي واحتياجات الطلبة والمهمات المجتمعية..